محمد جواد مغنية
362
في ظلال نهج البلاغة
الخطاب لأهل العراق ، والمراد بالقوم هنا عامة الناس ، والشيء الذي يكرهونه خذلانهم وانكسارهم الذي حدث بالفعل . ( وانما عهدكم بعبد اللَّه بن قيس ) وهو أبو موسى الأشعري ( بالأمس ) أي في وقعة الجمل ، وكان أبو موسى آنذاك واليا على الكوفة ، وقد نهى أهلها عن المسير إلى الحرب مع الإمام ، وقال من جملة ما قال : ( انها فتنة فقطَّعوا أوتاركم ، وشيموا سيوفكم ) أي لا تطلقوا في هذه الحرب سهما ، ولا تشهروا سيفا . ( فإن كان صادقا - إلى - التهمة ) . كيف تختارون الأشعري للتحكيم ، وقد أقام الدليل من نفسه على نفسه انه لا يصلح لشيء ، ولا يوثق به في شيء ، فبالأمس القريب نهى عن السير مع الإمام ، ثم سار معه مختارا وعن طيب نفس ، وأظهر الحب والإخلاص للإمام وجيش الإمام ، ولذا أصر أهل العراق على اختياره . . فإن كان مؤمنا بما نهى عنه من قبل فقد خالف ايمانه ويقينه عن إرادة وقصد ، وان كان كاذبا فيما نهى عنه ، وعالما بأنه ينهى عن المعروف لا عن المنكر فهو مجرم فاسق . . وفي الحالين لا يجوز الوثوق به الركون اليه . وقال ابن عبد البر في « الاستيعاب » ، وهو يترجم لأبي موسى الأشعري ما نصه بالحرف : « روي فيه كلام كرهت ذكره ، واللَّه يغفر له » . وقال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح هذه الخطبة : روي أبو موسى الأشعري عن النبي ( ص ) أنه قال : « كان في بني إسرائيل حكمان ضالان ، وسيكون في أمتي حكمان ضالان ، وضالّ من اتبعهما » . فقيل له : احذر أن تكون أحدهما . فقال : كلا . فلما يلي به قيل فيه : البلاء موكل بالمنطق . ( فادفعوا في صدر إلخ ) . . قال الكاتب الإسلامي المصري عبد الكريم الخطيب في كتابه « علي بن أبي طالب » ص 497 وما بعدها : « كان الإمام قد أعد ابن عباس ليلقى عمرو بن العاص : ولكن أصحاب الإمام اختلفوا عليه ، وكان الأشعث بن قيس رأس الجماعة التي نازعت في اختيار ابن عباس ، والأشعث هو الذي مهّد للتحكيم ، وأكره هو وقومه عليا على قبوله . . ولا شك ان الصلة كانت قد توثقت بين معاوية والأشعث » . وهذا الذي سجله الخطيب يتفق تماما مع ما نقلناه عن كتاب « علي وبنوه » لطه حسين في شرح الخطبة 19 ج 1 ص 152 : من أن الأشعث وابن العاص قد دبرا رفع المصاحف ، واختار الحكمين سلفا .